السلام عليكم ورحمة الله
سبحانه صورنا في أحسن صورة وجعلنا لبعضنا نحتاج لنكمل بعضنا البعض... وحده يعلم الحكمة من كل شيء خلقه، وزع الأدوار بيننا وحدد واجبات وحقوق كل منا بما هياه وله خلق.
ويسر للجميع مساراتهم وأعطاهم حق الاختيار إما شاكراً وإما كفوراً.
خلق الرجل ليعبده بعمارة الأرض والضرب فيها والسعي لدوران حركة الحياة والمساهمة فيها، وقدر له رزقه ويسره لما خلقه ويسر له ما خلق من أجله.
وأعطاه أدواته وآلياته وإمكانياته أن يتحمل ما كلف به ولا يشق عليه، وأحوجه لغيره من البشر ليكتمل الاختبار الذي يعلم الله وحده ما لا نعلم نحمده على كل نعمة ونستغفره ونتوب إليه من كل تقصير وزلل وخطأ ونسيان.
وخلق المرأة لتعبده بكونها الأرض التي سيزرع الرجل فيها بذرته لاستمرار النسل واحتضانه وتنشئته دون أن يشق عليها؛ لأنه حملها ما تطيق، ولا يحمل الله نفساً ما لا طاقة لها به، ولتعبد الله بطاعة زوجها الذي كلف بخدمتها وتوفير ما تحتاج كل حسب قدرته وسعته لتتفرغ لنفسها وله ولولده، وبما أعطى الله لكل منهما من خلق وإمكانيات وزع بينهما الأدوار، وكلف الرجل بما لم يكلف به المرأة وكلفها بما لم يكله به.
فكانت المرأة هي الجزء اللين من الخلق، والرجل هو الجزء الصلب منه، ليجابه كل منهما الحياة في الجوانب التي خلق لأجلها، وليتكامل الاحتياج بينهما؛ فيحتاج الرجل لليونة وحنان وعطف المرأة، وتحتاج المرأة لصلابة وقوة وحزم وجلد الرجل وحمايته وقدرته على توفير الرزق واستمرار شعورها بالأمان الحققي لا المزيف في حياتها لتقوم على الوظيفة التي كلفت بها.
ولا يخفى كل ذلك على أحد، حتى أن الرجل إذا ما لان أكثر من اللازم شُبّه بالنساء واستهجن حاله، كالتي تخشوشن أكثر من اللازم فتكون كالذكر مستهجنة الطباع.
والرجل بطبيعته التي جُبل عليها يحن للجزء الهادئ من بشريته، الجزء العاطفي الحنون الذي وضعه الله في الأنثى، كما تحن المرأة للجزء البشري الصلب الذي وضعه الله في الرجل.
وقد أودع الله في كل منهما الاحتياج للآخر ليكمل بعضهم بعضاً، وكانت الشهوة جزءاً آخر ربما لضمان استمرار النسل؛ فبما للناس من طبائع واختلافات وعدم توافق ما كان النسل سيستمر لولا وجود شهوة النساء والولد لدى الناس وتلك حكمة يعلمها الله وحده…
ولكن ما الذي يجعل المرأة تخسر زوجها وإن لم يفارقها ويذهب كل في حال سبيله وتستمر الحياة الشكلية بينهما بانفصال عاطفي فكري كخرق لا يمكن رقعه؟
كطبيعة الظمآن الباحث عن رشفة ماء، والذي إذا ما طال بحثه زاد احتياجه له وزاد شغفه وتقديره له، وخاصة إن كان يراه حوله طوال الوقت ولكنه لا يقدر على الحصول عليه…
ماذا يفعل بمجرد أن يحصل عليه؟
جاء يلهث في صحراء مليئة بالبرك ولا يحق له الاقتراب منها، وإذا به يُسمح له بأن يقترب من إحدى البرك وهي له وحده.
كيف سيتصرف؟
سيلقي بنفسه في تلك البركة، يسبح ويشرب ويبلل نفسه وينثر الماء فرحاً ويستلقي عليه، وتختفي كل دفاعاته التي كانت متيقظة خارج الماء، ويشعر بأنه اكتمل ودبت الروح في العروق، ويلين قلبه ويبدأ في تقدير الماء والحنو عليه… والمحاولة في المحافظة عليه...
الآن تصور أن هذا الماء هو الزوجة التي طال انتظارها ليكتمل الرجل بما خلق من نفسه له سكناً…
وأنه فرح بزواجه ممن أعجب بها واستأنس لها واكتمل بها…
ألا يحب أن يرمي أحماله ويسقط دفاعاته ويفضي لها وتفضي له، وأن يشعر أحدهما الآخر بالأمان، حتى أن كشف عوراتهم لبعضهم لهم فيه أجر من الله على عكس ما كان عليه الحال في تلك الصحراء؟
يلين الرجل للمرأة في تلك الفترة، يقدرها، يدللها، ويحنو عليها، يبرر لها ويتجاوز عن أخطائها، ويظن أنه عليه أن يتهاون ويتنازل ويلين لأنها الجزء اللين الذي لا ينفع معه ما ينفع مع بقية الصحراء الجرداء فهذا هو الماء الذي احياه وكمله.
فهنا راحتي من كل ذلك، وهنا سعادتي، وهنا أعود طفلاً مدللاً لا يفكر في شيء، يرتاح ويسعد ويُسعِد، فالأمر متبادل.
وأغلب الظن لديه أن لينه ولطافته هذه هي إسعاد لهذا الجزء اللين من نفسه في هذه الزوجة وفيها قوته واكتماله فلن يقوى احدنا إلا إذا إكتمل.
ولكن تصور أن تلك البحيرة التي فرح بها وقفز إليها مسلماً نفسه تكون مسمومة وماؤها عكر ولا يصلح للشرب ولا الغسل ولا يمكن أن ينبت زرعاً؟
بمعنى بشري…
تصور أن تترجم تلك المرأة لطافة ولين ومحبة هذا الزوج على أنها ضعف شخصية وقلة حيلة، وترى أنه لا يكملها فهي بحاجة إلى من هو أقوى حسب ظنها ، فغريزة الإنجاب عند الحيوانات تنشط مع الأقوى لأن الحياة للأقوى في الغابة ورغم انها عاشت كل مظاهر العرس إلا أنها تجاهلت هذه الحقيقة وتذكرتها الآن؟.
فتظن أنها أفضل منه وأعلى منه شأناً وأقدر منه، وتنسى تكاليفها في الحياة وسر خلقها وهدف وجودها وما أُمرت به من احتضان جزئها الكامل وطاعة أمره ما لم يعصِ الله، وأن تكون حاضرة له متى ما طلبها واحتاجها، وأن تحتويه لتكون حياتها بحياته أكثر سعادة وأكثر استقراراً، فهو يكملها وتكمله ولكنه لين حنون لطيف لا يعترض على طلباتها…
فتمعن في ظنها وتستمر في تنفيره من نفسها حيث تظن أنها تحمي نفسها وتبسط سيطرتها على رجل ضعيف الشخصية لم يفرض نفسه بالقوة، وتستمر على ذلك… وهو بدوره يحاول فهمها لأنها جزء جديد منه، والذي قيل له عنها إن طبيعتها متقلبة المزاج، هرموناتها تلعب دوراً أساسيا في مزاجيتها المتقلبة، وأن هذا خارج إرادتها… كما وهم الجميع واوهموه كذلك فليس له خبرة في النساء ... وإن لم يكن في ذلك شيء من الواقع لأن أجيالاً كثيرة عاشت بدون هذه الحجج عندما كان كل منهما يأخذ دوره بالشكل السليم ولا مجال موسع للدراما والوهم.
ولكن إلى متى يمكن لصبره أن يستمر؟
يبرر لها لأنه أحبها وليس لأنه ضعيف.
يمهلها لأنها الجزء اللين منه ولا يصلح أن يكون قاسياً معها كما هو مع البقية خوفا من كسرها.
يسامحها، يتحملها في كل شي اسلوبها حديثها نفورها وحتى في إعراضها عنه وعن حقوقه كزوج في مبيت ومأكل وأُنس…
إلى متى؟
تظن الكثير من النساء أنها متحكمة في زمام الأمر، وأن هذا الظمآن سيبقى في عطشه دائماً ولن يرتوي، أو أنه يتعب فيختار الاستسلام…
الاستسلام لها؟ ربما، ولكن الحقيقة هو الاستسلام عن المحاولة.
وستصبح تلك البركة كغيرها من البرك ولن يفرح بها أو يقفز فيها ويلعب بمائها مجدداً أبداً حتى وإن ظل بجانبها.
أي أن الرجل إذا ما وجد أن عاطفته قد استُغلت من قبل زوجته أو أياً كان، فإنه سيتوقف عن العطاء والمحاولة واللين، وسيعود يغلق على نفسه، فلن تجد منه زوجته إلا آلة تؤدي واجبها من باب المروءة والرجولة وطيب الأصل لا أكثر ولا أقل… وإن غابت المروءة وقل الأصل عندها ستسمع قصصاً كالتي تسمعها كل يوم عن سوء العشرة وظلم النساء اللاتي لن يعترفن بما قمن به من عدم تقدير لضعف أزواجهن معهن؛ وربما لن تجد منحرفا يعاني مما يعاني منه الطيب والشهم لأنها لا تجد متنفسا معه …
وإذا ما وصل الرجل لتلك الحالة من الاستسلام فلن يعود لما كان عليه معها أبداً مهما فعلت، ومهما حاولت ومهما لانت… سيصبح فقط زوج صورة، وإن كان بينهما لحظات سعيدة فهي أبداً لن تصل إلى روحه وتسعدها وقلبه لتفرحه، فقط سعادة أنه أدى دوره لها ولأولادها إن كان لهم ولد.
هكذا تخسر المرأة زوجها وإن بقي معها…
يكرمها باللين فلا تكون كريمة فيملكها وتسعد بسعادته دنيا وآخرة… بل تكون لئيمة تخسر نفسها وتخسره…
في حين أن كيد النساء عظيم، إلا أنه على ما يبدو لا يصلح إلا في الشر… ولا يمكن استعماله في الخير لتكمل زوجها وترفع شأنه وتعطيه ثمرة حبه دون تمرد او لؤم ولا خبث ولا استغلال لطيبته وكرمه الذي ستخسره بتعاملها الخاطئ معه… لتخسر الأسرة حياة سعيدة هنية يكمل بعضهم فيها بعضاً…
وربما ذلك يفسر معنى أن الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة حيث يمكن للرجل ان يكتمل ويكمل والتي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك.
ولم تقف لك نداً وتطلب الحوار والنقاش والاقناع، بل أطاعتك وكانت كلمة حاضر لحناً تغنيه بروح مرحة وقلب سعيد؛ لأن زوجها رجل لطيف معها طيب المعشر يهتم لها ولمشاعرها… ولن يضيعها...
فإن أردتِ أن تخسري زوجك… كوني نداً له ولا ترحمي ضعفه ولينه ومراعاته لك ولمشاعرك، واستغلي كل فرصة لبسط سيطرتك عليه والإحساس أنك الآمرة الناهية وأن لك الحق في أن يطيعك ليدخل هو الجنة.
هكذا تخسر المرأة زوجها، وهناك بالتأكيد طرق أخرى يعرفها الجميع...
ختاما وارجو ان لا اكون قد اطلت وتشعبت في غيابات الصحرا المتناثرة ، إن ذكاء المرأة الحقيقي لا يكمن في فرض السيطرة أو استغلال لحظات الصفاء، بل في إدراك أن لين الرجل معها هو أقصى درجات قوته واحترامه لها. فالبيوت لا تُبنى بالندية، والقلوب لا تُفتح بالمغالبة، بل بسكنٍ يأوي إليه الرجل فيجد فيه برد الأمان بعد هجير الحياة. إن خسارة قلب الزوج هي الخسارة الحقيقية التي لا تعوضها سلطة زائفة، فكوني له أرضاً يكن لكِ سماءً، وكوني له أمةً يكن لكِ عبداً وطوع بنانك.
شكرا...