الخميس، 19 نوفمبر، 2015

كيف ينغش أحدنا في الآخر ولا يكتشف ذلك إلا بعد الزواج ...

By 11:45 ص
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




أيا كانت وسيلة اللقاء … برسالة خاصة بعد عدة ردود في تعليقات عابرة على موضوع ما … أو بتواصل مصادف أو بسابق تخطيط و إعجاب طفيف … ساعات طوال يقضيها المتعارفين في أحاديثهم ليل نهار ، يتواصلون بكل أساليب التواصل المتاحة مهما كلفت ، و لم تعد تكلف كثيرا ، يلتقون صدفة … في تعليق أو ممر ضيق أو سلالم متحركة في أحد المحال … يتجاذبون أطراف الحديث يستأنسون ببعض … يحدثون لبعضهم بعض التغيير في صمت الوحدة و جفاف الإهتمام … فيطول الحديث و يتمطط … حتى يغلب النعاس الجفون ، ولكنها فرصة لا تعوض للقاء إنسجام مماثل … فيزداد طول الليل … حتى يصفق الصباح … 

لينتهي اللقاء الأول بإبتسامات متبادلة و شعور غامر بالفرح كالذي يشعر به ركاب السفينة عند رسوها في ميناءها المنشود … 
يتجدد اللقاء و يترك كل شيء عداه … لكي يكون التركيز أكثر … و كلما زاد التركيز تركزت قوة التأثير ليترسخ في العقل أن هذا هو من كنت أبحث عنه ، إنه توأم الروح و نصفها المجند ليتألف معها … 


يخبر بعضهم البعض بأشياء عن حياتهم و أحلامهم و الرغبات التي على رأس ألسنتهم … ويصف كل الوضع من منظوره حيث لا يملك الطرف الآخر صورة كاملة في اللقاء ولا يرى بعينه ما يصفه الآخر … فيحدث أن يكمل دماغ كل منهما الصورة بما لديه من رصيد عن كل وصف يوصف … الرصيد الذي جمعه خلال سنواته السابقة من أفلام و مسلسلات و حكايات و أحلام…

كأن يخبرها أنه يدرس الهندسة في سنته الآخيرة … فتتصور أنه شاب نظيف أنيق المظهر بحذاء لامع لقي من الإهتمام الكثير … و ذقن حليق … و نظرة ثاقبة … كالذي تضعه هي في مخيلتها … يحمل حقيبة جلد سوداء و ربطة عنق رقيقة على قميص أبيض يكاد يقف بذاته من شدة الكي و الاهتمام به … سيارته دائما نظيفة لامعة موديل حديث … و تضع كل الرتوش التي تتمناها هي و تعرفها في خيالها لكل ما لم يخبرها به …

و تخبره هي أنها طالبة في الطب في سنتها الآخيرة … فيكمل عقله الصورة بما يعرفه عن طالبات الطب و ارتداءهن للأبيض و يتخيل أكثر صورة معلقة بذهنه عن شكل الطبيبة الأنيقة ذات العيون الواسعة و الحاجب المرسوم كالطير الجارح و رموش كأنها ريش طاووس و النظرة من خلف النظارات و الإبتسامة المشرقة بأسنان مستوية ناصعة البياض و أنف رقيق جذاب … وقوام رشيق خلاب …

ولكن هل الواقع كذلك كما يتصور الأثنين؟ … حتى الآن لا أحد يدري …
يتصل بها صباحا لتقول له أنا عدت إلى فراشي بعد أن حضرت الفطور … فيتصور تلك الغرفة البيضاء و الشمس تتراقص من نافذتها و شعرها الناعم ملقي على الوسادة و السرير الأبيض و كوب العصير و قطعة حلوى التوت بجانبها … و يكمل الصورة كلها بما يتمناه و يتخيله و إرتسم في ذهنه من كل ما شاهد من مسلسلات و أفلام وصور على الإنترنت …

فيرد أنه جالس يشرب القهوة مع أصدقائه في أحد المقاهي … فترتسم صورة لأفضل مقهى عرفته و أفضل منظر شاب رسمته في خيالها بأناقته و إهتمامه بنفسه و مظهره و أن جميع أصدقائه بأناقتهم و جمال و حسن مظهرهم يجلسون معه في قمة الرقي وساعات أيديهم تلمع و أحذيتهم تكاد تكون جديدة و بناطيلهم المكوية و جسلتهم البهية … 

و قد يكون الواقع حقا بعيد كل البعد عن ما يمكن أن يتخيله أحدنا عن ما يحكى له … و هو لم يشاهده … فمهمة العقل أن يكمل الصورة … خاصة عندما يكون هناك تأثير برغبة قوية في أن يكون الآخر هو المنشود ، هو من كنت أنتظر …

لعلك الآن تتصور و تفكر أنها أفاقت في غرفتها التي لا تدخلها الشمس بسبب بناء جارهم لدور ثاني و حجب الشمس على غرفتها … و بطانيتها القديمة التي تكاد تتهالك بصورة النمر عليها … أو الزهرات الوردية و الحمراء و الزرقاء … التي إشترتها أمها من سوق شعبي … و تعرف جيدا كيف يكون شكل أحدنا عندما يصحوا من نومه و قد حدث لشعره ما حدث و كيف هو مظهره و شكل عينيه و لنتوقف عن الوصف لأننا جميعا حدث و أن رأينا أنفسنا في المرايا عندما من النوم أفقنا … 

و لعلك أيضا تراه متكيء على الحائط يضع قدم على الأرض و الآخرى على الحائط و صديقه يقف بجانبه ينتظر أن يعطيه سحبة من فضلة سيجارته قبل أن يكملها و الآخر يقف مرتعدا من البرد لإنه لم يحسب حسابه و خرج بدون أن يرتدي ما يقيه الصقيع ليحافظ على منظره و يرى الجميع القميص لذي حصل عليه من أخيه الأكبر و شعر أنه يناسبه كثيرا … و شعر من يحدثها يكاد يقطر دهنا من شدة ما أشبع من الكريم ليبدو كما يريده ثابتا في مكانه و القبعة المطبوع عليها ببعض آثار الزيت الذي علق بيده عندما كان يحاول مساعدة جاره على تشغيل السيارة بالضغط على كوابل البطارية ، طمعا في أن يوصله إلى الجامعة و يحتفظ هو بثمن الركوب ليشتري كوب قهوة من مقهى الكلية ، لتكتمل جلسته عند الحافة …متناسيا أن لديه محاضرة الآن وهو في السنة الأخيرة في الكلية … وربما في السنة الأول ما يزال … 

لعلك ترى الواقع مختلفا عن الصورة التي يحاول كل منهما أن يكملها و تؤدي إلى تعلقه بمن في ذهنه وليس بمن يتحدث إليه … 
و إن لم يكن الوصف كما تخيلت … ولكن مهما كان فلن يكون كما يتخيل كل منهما و الصورة غير مكتملة … غير مكتملة الحقيقة ولكنها مكتملة في ذهن كل منهما بما يحب و يتمنى أن يجد عليه الآخر ، و يعزز ذلك إختيارات كل منهما فيما ينشره في صفحته و ربما إختياره للصورة الشخصية التي ، سألها عنها فقالت … الكل يقول لي أنني أشبه هذه الممثلة … 

و هوب … علقت الصورة في ذهنه فبدأ يتخيل أنها هي من يكلمها و يسحره جمالها ، خاصة عندما يكون صوتها خفيفا للتو أيقضها من النوم و زادت هي في دلال حديثها بعد أن رأت الرقم و ردت عليه ، و خياله يكتمل بأنه يتصور أنها ستفطر بكوب عصير برتقال و قطعة مرطبات خفيفة خالية الدسم حفاظا على رشاقتها ودقة قوامها ليلائم ما ترتديه العارضة في المحل الذي تمر بجانبه متمنية أن يناسبها الفستان المعروض ولا تجد نفسها تطلب من البائع رقما … أكبر … في حين أنها قد تفطر ببعض فضلات ما تبقى من عشاء البارحة أو غذاءه … 

هل تصورت الكيف ؟ 

ولاحظ أن هذا قد ينطبق أيضا على الصداقات التي تبدأ بشكل عابر فيبني كل طرف أفكاره بناء على معلومات قليلة ليكمل البقية من نفسه ... وليس هذا متوقف فقط على الحب و الغرام و الزواج ...

كثيرون يعلقون و يقعون في حب الصورة النمطية التي يرسمونها في أذهانهم لما يخبرهم به الآخر … فليس هناك واقع يمكنه إثبات ما يقول ولا تجربة تدعمه ولكن هناك فقط حديث و تواصل بالهاتف أو بالكتابة … و إن حدث اللقاء الذي قد يحدث متأخرا جدا بعد وقوع الرأس على الفأس و إنشطار القلب و تعلقه كالقديد بحبال عشق مجهول … ليجف عليها و يكون أضعف ما يمكن … فكل سيعرض ما يتحدث عنه ليعزز ما كان يقول ولن يعطي الصورة الحقيقية للآخر و لن يتأثر الآخر بما رسم في خياله عنه …لأنه وقع في الغرام و إنتهى و لن يرى إلا ما يتمنى أن يحصل عليه مما أكله في خياله و تقف الصورة المرسومة في الخيال عائقا أمامه من رؤية الحقيقة …

و يستمر الرسم و الخيال حتى يحدث الزواج … إن حدث و تحقق الزواج … ذاك الهدف المنشود … الذي اؤكد لك … أنه بداية الطريق وليس نهايتها و لن أقول أكثر من #ترومها .

فيتصبح كل منهما في الآخر … قد تكون الأمور مختلفة في الإسبوع الأول أو الشهر الأول … ذلك أنها إهتم بها خالص الإهتمام … و جهزت خالص التجهيز … و بها شوق له … و هو إهتم بنفسه خالص الإهتمام و جهز نفسه خالص التجهيز … و به شوق لها … ولا يدري كل منهما أنه لن يرى الآخر بذات الإهتمام و التجهيز ربما مدى الحياة … ربما 

ولكن رويدا رويدا تعود الحياة لطبيعتها … لتجد الأشياء التي كان يخبرها عنها و إن كانت صحيحة كما أخبرها … أو أخبرته … و لكنها لا تطابق ما تشكل في خيال كل منهما … لماذا رائحة جواربه نتنة هكذا؟ لأنه لم يخترع هاتف ينقل الروائح بعد … لماذا عينيها مليئة بمادة تتمركز في نهاية جفنها كل صباح ؟ لماذا لم أرى الحلقات السوداء تحت العين من قبل … لا يبدو أنه يحلق ذقنه يوميا كما قال … سأحتاج إلى غسل ملابسه و تنظيفها …رائحة فمه مزعجة جدا …  سأهتم بإحتياجاتها الخاصة و أحتمل فتراتها … أطبخ كل يوم؟ … طبخها لا يمت لما وصفت بأي صلة … صوت شخيره مزعج جدا … تتحرك كثيرا في نومها ، من الصعب أن أصبر على اللكمات في نومها … أريد أن أذهب لبيت أهلي أشتاق لهم … مشغول مع أصدقائي أسامرهم … طلباتها يصبح هو فقط مسئول عنها … و إحتياجاته هي فقط من يهتم بها … ولا مكان لأن يأخذها إلى عالم بعيد تعيش فيه أميرة ولا مكان يغمره هو بالحب و يلبى له كل ما يريد من حضن و حنان و سكينة …

هنا … يختلف كل شيء عن ما كن يحاك في الخيال منذ بدايات العلاقة … فتظن هي أنها به إنغشت … و أنه مزيف و ليس كما كان يخبرها و أنه كاذب و أنها لم تعد تثق في كلامه … كما إكتشف هو أيضا أنها خدعته فقط للتزوج و أنها لم تكن كما تصف هي … و أن كل واحد منهما إنغش في الآخر و ليس هذا ما كان يتمناه و يأمله و لم يعد يشعر بالحنين و الإنجذاب لها كما كان و لا هي تعرف ما الذي ينفرها منه بعكس ما كانت تتشوق للقاءه … و قد قضى كل منهما ما كان يحتاجه من الآخر و ما منّى به كل منهما مما عند الآخر … غالبا … بخيال غير مكتمل بواقع … خيال كما يحبه صاحبه … لا علاقة له بواقع كما يعيشه صاحبه … 

فيكون كل منهما واقع في حب خياله … ولا يتطباق خياله مع الواقع … فيحدث النفور و تتراكم الأسباب لتتكون كتل من المشاكل و الحواجز بينهما و يبحث كل منهما عن مشكلة بحجم ثقب أحدثته إبرة في قطعة قماش لتكون هي القاسم لكل ما تراكم … و تنتهي العلاقة أو … تستمر بحياتين مختلفتين منفصلتين يعيش كل واحد منما فيها دور المتزوج يجتمعون عند الحاجة إن اجتمعوا و تستمر الحياة مشتتة مرسومة أمام الخلق مثالية و في أصلها حياة من الحياة خالية …

وكيف تحمي نفسك من هذا ؟ … 

الجواب واضح ولكن أغلبنا لا يملك جرأة المواجهة و صبر الإنتظار … المواجهة لنقول لمجتمعنا أن منظومة الزواج تحتاج إلى صراحة أكثر لتصحيح الخلل الكبير فيها ، لنعود إلى صراحة البحث عن زوج … “كلمة زوج تطلق على الإثنين وليس الرجل فقط” فالكل يبحث عن زوج له بالفطرة و الطبيعة و الحاجة ولكن لا أحد يحب أن يصرح حقا أنه يبحث … لنقل أننا يجب أن نصحح هذا المسار و نتوقف عن تعريض أنفسنا لهذا الخداع النفسي الشخصي الذي نمارسه على أنفسنا بإرادتنا … فنتوقف عن ملاحقة الحب و ملاحقة القصص الغرامية التي نسبة فشلها في مجتمعاتنا يتعدى التسعين في المائة و الكل متعلق بتلك العشرة في المائة أملاً أن يكون هو منهم … وكثيرا ما لا يكون ...

توقف عن ذلك و عش الواقع و قف في صف حركة التغيير الإجتماعي للتصريح بأن الجميع يريد أن يتزوج … و لنحقق ذلك … أعيدوا الزواج إلى فطرته الأولى … زواج على السنة و إختيار أيضا عليها و عيش بها كذلك … و هذا يحتاج إلى إعتراف إجتماعي و إلى تقبل جماعي لتكون الجماعة دافعا لحل مشكلة تمس كل بيت و كل إنسان بلا إستثناء … أراد الزواج أو لم يرد … فالجميع لديهم بنات و لديهم أبناء يحتاجون إلى الزواج ولم تعد المسألة رغبة أو مزايا إضافية … بل هي حاجة يجب أن يقف الجميع في صفها حتى تحل مشاكل أخرى كثيرة و تكسر عادات الجهل و تلغى الإحتفالات و المصاريف الغير مبررة إلا بما سيقول عنا العرب .

جنب نفسك الوقوع في هذه المشاكل بالإبتعاد عن الوقوع في شرك عاطفتك و تسليمها بطرق لا تليق بك كمسلم بحثا عن سكن لنفسك و جسدك … فلا تسير في أي طريق قد يقودك إلى التعلق بأحدهم حتى لا تغش نفسك فيه ولا يغشك هو في نفسه ولا ينغش فيك هو ...


و تأكد أن لا تغش نفسك و تلوم الآخرين … 


شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...